زاوية خاصة
في أوقات الحروب لا تتوقف المعارك عند خطوط القتال ، بل تمتد آثارها إلى الأسواق والبيوت ومائدة الطعام اليومية ، وما يعيشه السودان اليوم يقدم نموذجًا واضحًا لذلك ، حيث أصبح المواطن يواجه ضغوطًا اقتصادية متزايدة بفعل ارتفاع سعر الدولار ، وندرة الوقود ، وارتفاع تكاليف المعيشة بصورة تكاد تلامس حدود الاحتمال.
قرار مجلس الوزراء بالدخول في استيراد المشتقات البترولية يأتي في سياق البحث عن حلول لأزمة تتفاقم يومًا بعد يوم ، فالحكومة تراهن على أن يسهم هذا التدخل في ضبط السوق والحد من المضاربات التي أرهقت الاقتصاد ، وأن يساعد في التحكم بسعر الصرف الذي ظل يشهد قفزات متتالية انعكست مباشرة على حياة الناس ، غير أن نجاح أي خطوة من هذا النوع يظل مرتبطًا بقدرة الجهات المعنية على التنفيذ الفعلي ، وإحكام الرقابة على الأسواق ، ومنع تسرب الوقود إلى قنوات المضاربة والاحتكار.
لعل ما يمنح هذا القرار أهمية إضافية هو ما أقرّ به وكيل وزارة الطاقة والنفط من أن ملف الوقود كان بيد شركات خاصة تتولى استيراد وتوزيع المشتقات البترولية ، فهذا الاعتراف شخص جانبًا مهمًا من الأزمة ، وأوضح بجلاء أن المشتقات البترولية أصبحت رهينة لجهات تستطيع رفع الأسعار متى شاءت ، وخلق الندرة متى شاءت ، بما يؤدي إلى موجات متتالية من الغلاء.
فالوقود سلعة استراتيجية تؤثر في كل مفاصل الاقتصاد ، وأي زيادة في أسعاره تنعكس مباشرة على النقل والإنتاج والتوزيع ، ثم تصل آثارها إلى أسعار السلع والخدمات كافة ، لذلك يعلق كثيرون آمالًا على أن يسهم تدخل الدولة في كبح جماح هذا السيل الهادر من الزيادات ، وأن يضع حدًا للفوضى التي ظلت تلاحق سوق الوقود ، بما يضمن توفير المشتقات البترولية بصورة مستقرة وعادلة.
في المقابل لا يمكن فصل أزمة الوقود عن أزمة العملة الوطنية ، فكل ارتفاع في سعر الدولار ينعكس تلقائيًا على تكلفة النقل والإنتاج والتوزيع ، لتدخل الأسواق في دائرة جديدة من الغلاء ، والنتيجة أن أسعار السلع الضرورية تواصل الصعود ، بينما تتآكل القدرة الشرائية للمواطن الذي لم تزد مداخيله بالوتيرة نفسها ، كما أن الأزمات المتلاحقة في الكهرباء والوقود أصبحت تشكل عبئًا إضافيًا على النشاط الاقتصادي ، فالتاجر يتحمل تكلفة أعلى ، والمنتج يواجه صعوبات أكبر ، والمستهلك يدفع الثمن في النهاية ، وبين هذه الحلقات المتصلة يقف المواطن البسيط أمام واقع اقتصادي شديد القسوة ، يحاول التكيف معه بأقل الخسائر الممكنة.
حديث رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان بأن النكبات والعثرات التي مرت بالسودان منذ أبريل 2023 أكبر مما نعيشه اليوم من أزمات ، يعكس حجم التحديات التي تواجه البلاد ، لكن المواطن الذي يصطف للحصول على الوقود ، أو يبحث عن سلعة أساسية بسعر مناسب ، ينظر إلى الأزمة من زاوية مختلفة ، فهو يقيسها بما تتركه من أثر مباشر على حياته اليومية.
في اقتصاد الحرب تتغير الأولويات ، وتشتد الضغوط على الموارد ، لكن يبقى التحدي الأكبر هو وجود إدارة إقتصادية في هرم الدولة، تعمل على حماية المواطن من أن يصبح الحلقة الأضعف دائمًا ، فالحرب لا تكتفي بما تأخذه في ساحات القتال ، بل تمتد لتقتطع جزءًا من لقمة العيش ، وتجعل الناس يدفعون فاتورتها مرتين… لنا عودة
