زاوية خاصة
ست البيت كان تمام التمام ، زولو ما بطلع أنصاص الليالي ويخلي للناس الكلام ، هكذا يلخص السودانيون بحكمتهم الفطرية أن مغادرة المرء لبيته أو لمكانه على غير العادة لا تكون بلا سبب ، وأن وراء كل خروجٍ حكاية تستحق أن تُروى ، وهذه الحكمة تبدو اليوم أكثر الحاحًا وحضورًا ونحن نقرأ كتاب استقالة مدير عام الشركة السودانية للأقطان المحدودة الفريق نصر الدين عبد الفتاح ، بعدما بررها بأن ما يجري داخل الشركة يتعارض مع مبادئه وقناعاته.
الأزمة لا تكمن في استقالة مسؤول ، وإنما في المؤسسة التي تدفع مسؤوليها إلى المغادرة ، فعندما يضع مدير عام الشركة السودانية للأقطان المحدودة استقالته معللًا قراره بأن ما يجري داخل الشركة يتعارض مع مبادئه وقناعاته ، فإن الأمر يتجاوز حدود القرار الشخصي ، ليتحول إلى ناقوس خطر يفرض أسئلة لا يمكن تجاوزها ،
فالشركة السودانية للأقطان ليست مجرد شركة يمكن غض الطرف عما يجري داخلها ، بل هي واحدة من أهم المؤسسات الاقتصادية التي ارتبط بها تاريخ القطن السوداني ، وعاش عليها آلاف المزارعين الذين ينظرون إليها باعتبارها مؤسستهم الأولى ، والحارس المفترض لمصالحهم ، لذلك فإن أي اضطراب في إدارتها لا يعد شأنًا داخليًا ، بل ينعكس مباشرة على قطاع ظل لعقود أحد أعمدة الاقتصاد الوطني ،
استقالة مدير عام الشركة أعادت إلى الواجهة أسئلة لم تغادر الساحة أصلًا ، ماذا يجري خلف الأبواب المغلقة؟ ، ولماذا تتكرر الأحاديث عن صراعات داخلية وما يُثار من شبهات فساد وتبديد للمال العام؟ ، ولماذا يغيب التوضيح الرسمي الذي يضع الحقائق كاملة أمام المزارعين والرأي العام؟ ، وعندما يعلن مسؤول أن استقالته جاءت بسبب تعارض ما يجري مع مبادئه وقناعاته ، فإن ذلك لا يمكن التعامل معه كمادة خبرية ، بل كرسالة تستحق الوقوف عندها ، فهل بلغ الإصلاح داخل الشركة طريقًا مسدودًا؟ ، أم أن الصراع الحقيقي يدور حول من يملك القرار ، ومن يحق له إدارة مؤسسة يرى كثيرون أن المزارعين هم أصحاب الحق الأصيل فيها؟ ،
إن المؤسسات الاقتصادية لا تنهار دفعة واحدة ، وإنما يبدأ التآكل عندما تتحول من ساحات للإنتاج إلى ميادين للصراع على النفوذ والمكاسب ، وعندها لا يخسر المسؤولون وحدهم ، بل يخسر الاقتصاد الوطني ، ويخسر المزارع الذي ينتظر عائد محصوله ليجد نفسه آخر من يُستشار وأول من يدفع الثمن.
أما ما يُثار من شبهات فساد وتبديد للمال العام ، فلا ينبغي أن يظل معلقًا بين النفي والإشاعة ، فمثل هذه القضايا مكانها التحقيق المستقل والشفاف ، وإعلان نتائجه للرأي العام ، لأن حماية المؤسسات لا تكون بالتستر ، وإنما بإعلاء سيادة القانون ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته ، وفي النهاية ليست القضية في استقالة مدير عام ، ولا في اسم من سيجلس على المقعد من بعده ، وإنما مستقبل مؤسسة ارتبط بها تاريخ القطن السوداني ومصالح آلاف المزارعين ، فالمؤسسات المحترمة تُبنى بالشفافية ، وتُحمى بالمحاسبة ، وتستعيد ثقة الناس حين تُجاب الأسئلة لا حين تُترك معلقة ، ويبقى السؤال: هل تمثل هذه الاستقالة بداية لمراجعة جادة تعيد الشركة إلى مسارها ، أم أنها ستكون مجرد فصل جديد في أزمة ما زالت فصولها مفتوحة؟… لنا عودة.
