نايلة علي محمد الخليفة تكتب : رئيس وزراء شاب… هل حان وقت تغيير العقل الذي يدير الدولة
زاوية خاصة
في السودان عندما يدخل الخريف في عِين المطر الغزير والعِينة لغير الناطقين بها تعني منزلة من منازل الخريف ، كالضراع والنترة والطرفة.. الخ..، وتجرف السيول المنازل والجسور والطرق ، وتصبح الفيضانات مهدد حقيقي للحياة ، الناس يحتاجون لجهد وطاقات الشباب و يقولون: “وقت الفيضان ما وقت زول يقعد يتفرج…ما وقت زول يشيلوه ويختوه زي الماعون ، دا وقت الزول الطاقة البجري بين الناس ، يساهر يسند ويردم ، ويغير محرى السيل .” لم يكن الناس يسألون عن عمر من يقودهم في تلك اللحظة ، بل عن قدرته على الحركة ، وسرعة المبادرة ، وحسن إدارة الأزمة ، فالكارثة لا تنتظر ، فإن لم تتحرك لإيقاف آثارها السالبة ستلتهمك ، والتردد فيها قد يضاعف الخسائر.
فاليوم والسودان يجابد ليخرج من واحدة من أقسى الحروب في تاريخه الحديث ، يبدو المشهد قريبًا من الحكاية اعلاه ، فالبلاد لا تواجه مجرد أزمة سياسية أو اقتصادية ، وإنما تحديًا شاملاً لإعادة بناء دولة أنهكتها الحرب ، وما تزال تخوض معركة كرامة ضد مليشيا الدعم السريع الدموية ، وتحتاج في الوقت نفسه إلى إعادة الخدمات ، وإعمار المدن ، وإحياء الاقتصاد ، واستعادة ثقة المواطن ،
في مثل هذا الواقع المتشابك ، يبرز سؤال مشروع: هل يحتاج السودان إلى رئيس وزراء شاب؟ ، لا يتعلق الأمر بالعمر وحده ، فالشباب ليس رقمًا في بطاقة الهوية ، وإنما عقلية قادرة على المبادرة ، وسرعة اتخاذ القرار ، واستيعاب أدوات الإدارة الحديثة ، والقدرة على مواكبة التحولات المتلاحقة والمتسارعة ، فالدولة التي خرجت من حرب لا يمكن أن تُدار بالأساليب التقليدية نفسها التي أثبتت محدوديتها في التعامل مع الأزمات المتراكمة.
السودان اليوم يحتاج إلى حكومة تعمل بعقلية غرفة عمليات ، لا بعقلية القرارات المرتجلة والمكاتب المغلقة ، حكومة تتحرك يوميًا لمعالجة آثار الحرب ، وإعادة الخدمات ، وجذب الاستثمارات ، وإدارة ملف العودة الطوعية للاجئين والنازحين ، وإعادة إعمار المدن ، وتحريك عجلة الاقتصاد ، وإصلاح الخدمة المدنية ، والاستفادة من التقنيات الحديثة في الإدارة والحوكمة ، ورئيس الوزراء الذي يقود هذه المرحلة يجب أن يمتلك طاقة الحركة ، والقدرة على بناء فريق متجانس ، يمتلك الفاعلية في التواصل مع الداخل والخارج ، وإدارة الملفات المتعددة في وقت واحد ، السودان في الراهن ليست بحاجة لرئيس وزراء يحمل الشهادات العلمية الرفيعة ، بقدر ماهو في حاجة لرئيس وزراء مبدع ومخطط ومبتكر ، فالتحديات كالكوارث لا تنتظر كما أسلفت ، والوقت أصبح أحد أهم عناصر النجاح ، فالدعوة إلى رئيس وزراء شاب لا تعني إقصاء أصحاب الخبرة ، فإعادة بناء السودان يحتاج إلى معادلة متوازنة تجمع بين حيوية الشباب وحكمة التجربة ، المطلوب فريق وزاري يضم الكفاءات الوطنية ، بحيث يتولى أصحاب الخبرة الملفات التي تحتاج إلى تراكم معرفي ، بينما يقود الشباب ملفات الابتكار ، والتحول الرقمي والاستثمار ، وريادة الأعمال ، والتخطيط المستقبلي.
لقد أثبتت تجارب عديدة أن الدول التي خرجت من الحروب لم تنجح لأنها اختارت مسؤولين أكبر أو أصغر سنًا ، وإنما لأنها اختارت قيادات تمتلك رؤية ، وتعمل بروح الفريق ، وتحول الخطط إلى إنجازات ملموسة ، يشعر بها المواطن البسيط ، ولا ينبغي أن تغيب عن الذهن حقيقة أن السودان ما يزال يخوض حربًا ضد مليشيا الدعم السريع ، وهو ما يفرض على أي حكومة أن توازن بين إدارة معركة استعادة الأمن والاستقرار ، وبين استمرار مؤسسات الدولة في تقديم الخدمات والاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب ، فالنصر العسكري لا يكتمل إلا بانتصار آخر في معركة البناء والتنمية.
السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى من يدير الدولة ، بل إلى من يقود مشروعًا وطنيًا يعيد رسم ملامحها ، وليس المهم أن يكون رئيس الوزراء شابًا في العمر ، بل أن يكون شابًا في الفكر ، سريعًا في الإنجاز ، جريئًا في اتخاذ القرار ، مؤمنًا بالمؤسسية ، وقادرًا على توظيف خبرات السابقين مع طاقات الشباب لصناعة مستقبل يستحقه السودانيون… لنا عودة.
