زاوية خاصة
في السودان عندما يدخل الخريف في عِين المطر الغزير والعِينة لغير الناطقين بها تعني منزلة من منازل الخريف ، كالضراع والنترة والطرفة.. الخ..، وتجرف السيول المنازل والجسور والطرق ، وتصبح الفيضانات مهدد حقيقي للحياة ، الناس يحتاجون لجهد وطاقات الشباب و يقولون: “وقت الفيضان ما وقت زول يقعد يتفرج…ما وقت زول يشيلوه ويختوه زي الماعون ، دا وقت الزول الطاقة البجري بين الناس ، يساهر يسند ويردم ، ويغير محرى السيل .” لم يكن الناس يسألون عن عمر من يقودهم في تلك اللحظة ، بل عن قدرته على الحركة ، وسرعة المبادرة ، وحسن إدارة الأزمة ، فالكارثة لا تنتظر ، فإن لم تتحرك لإيقاف آثارها السالبة ستلتهمك ، والتردد فيها قد يضاعف الخسائر.
فاليوم والسودان يجابد ليخرج من واحدة من أقسى الحروب في تاريخه الحديث ، يبدو المشهد قريبًا من الحكاية اعلاه ، فالبلاد لا تواجه مجرد أزمة سياسية أو اقتصادية ، وإنما تحديًا شاملاً لإعادة بناء دولة أنهكتها الحرب ، وما تزال تخوض معركة كرامة ضد مليشيا الدعم السريع الدموية ، وتحتاج في الوقت نفسه إلى إعادة الخدمات ، وإعمار المدن ، وإحياء الاقتصاد ، واستعادة ثقة المواطن ،
في مثل هذا الواقع المتشابك ، يبرز سؤال مشروع: هل يحتاج السودان إلى رئيس وزراء شاب؟ ، لا يتعلق الأمر بالعمر وحده ، فالشباب ليس رقمًا في بطاقة الهوية ، وإنما عقلية قادرة على المبادرة ، وسرعة اتخاذ القرار ، واستيعاب أدوات الإدارة الحديثة ، والقدرة على مواكبة التحولات المتلاحقة والمتسارعة ، فالدولة التي خرجت من حرب لا يمكن أن تُدار بالأساليب التقليدية نفسها التي أثبتت محدوديتها في التعامل مع الأزمات المتراكمة.
السودان اليوم يحتاج إلى حكومة تعمل بعقلية غرفة عمليات ، لا بعقلية القرارات المرتجلة والمكاتب المغلقة ، حكومة تتحرك يوميًا لمعالجة آثار الحرب ، وإعادة الخدمات ، وجذب الاستثمارات ، وإدارة ملف العودة الطوعية للاجئين والنازحين ، وإعادة إعمار المدن ، وتحريك عجلة الاقتصاد ، وإصلاح الخدمة المدنية ، والاستفادة من التقنيات الحديثة في الإدارة والحوكمة ، ورئيس الوزراء الذي يقود هذه المرحلة يجب أن يمتلك طاقة الحركة ، والقدرة على بناء فريق متجانس ، يمتلك الفاعلية في التواصل مع الداخل والخارج ، وإدارة الملفات المتعددة في وقت واحد ، السودان في الراهن ليست بحاجة لرئيس وزراء يحمل الشهادات العلمية الرفيعة ، بقدر ماهو في حاجة لرئيس وزراء مبدع ومخطط ومبتكر ، فالتحديات كالكوارث لا تنتظر كما أسلفت ، والوقت أصبح أحد أهم عناصر النجاح ، فالدعوة إلى رئيس وزراء شاب لا تعني إقصاء أصحاب الخبرة ، فإعادة بناء السودان يحتاج إلى معادلة متوازنة تجمع بين حيوية الشباب وحكمة التجربة ، المطلوب فريق وزاري يضم الكفاءات الوطنية ، بحيث يتولى أصحاب الخبرة الملفات التي تحتاج إلى تراكم معرفي ، بينما يقود الشباب ملفات الابتكار ، والتحول الرقمي والاستثمار ، وريادة الأعمال ، والتخطيط المستقبلي.
لقد أثبتت تجارب عديدة أن الدول التي خرجت من الحروب لم تنجح لأنها اختارت مسؤولين أكبر أو أصغر سنًا ، وإنما لأنها اختارت قيادات تمتلك رؤية ، وتعمل بروح الفريق ، وتحول الخطط إلى إنجازات ملموسة ، يشعر بها المواطن البسيط ، ولا ينبغي أن تغيب عن الذهن حقيقة أن السودان ما يزال يخوض حربًا ضد مليشيا الدعم السريع ، وهو ما يفرض على أي حكومة أن توازن بين إدارة معركة استعادة الأمن والاستقرار ، وبين استمرار مؤسسات الدولة في تقديم الخدمات والاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب ، فالنصر العسكري لا يكتمل إلا بانتصار آخر في معركة البناء والتنمية.
السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى من يدير الدولة ، بل إلى من يقود مشروعًا وطنيًا يعيد رسم ملامحها ، وليس المهم أن يكون رئيس الوزراء شابًا في العمر ، بل أن يكون شابًا في الفكر ، سريعًا في الإنجاز ، جريئًا في اتخاذ القرار ، مؤمنًا بالمؤسسية ، وقادرًا على توظيف خبرات السابقين مع طاقات الشباب لصناعة مستقبل يستحقه السودانيون… لنا عودة.
